محمد بن محمد ابو شهبة

19

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

صحيح مسلم من رواية ابن وهب « ملهمون » ، وهي « الإصابة بغير نبوة » ، ووقع في رواية للبخاري زيادة « من غير أن يكونوا أنبياء » « 1 » . فمن ثمّ نرى أن المعاني كلها تلتقي عند معنى الإلهام ، وأن في بعض الروايات التنصيص على أنه إلهام بغير نبوة ، فدل على فرق ما بين إلهام الأنبياء وإلهام المحدّثين غير الأنبياء ، وهذا الإلهام بغير نبوة هو ما يعرف بالعبقرية ، فهي لا ترجع إلى الذكاء ، والفطنة ، والتجربة ، وإنما مرجعها إلى الإلهام وإلقاء الصواب في النفس من غير تعمّل وتكلّف ، فالعبقرية إذا تليق بملهم محدّث من أصحابه كعمر ، والزعامة إنما تليق بسياسي محنك كمعاوية مثلا ، والقيادة الحربية إنما تليق بأمثال سيف اللّه خالد ، وسعد ، وأبي عبيدة ، والبطولة إنما تليق بالكثيرين من أصحابه كعلي ، وأبي دجانة ، وأبي طلحة ، والمقداد بن عمرو ، وطلحة بن عبيد اللّه - رضي اللّه عنهم أجمعين - على ما اتصفوا به من قوة الإيمان ، وحسن السيرة ، وسمو الأخلاق . إنه صلّى اللّه عليه وسلّم فوق أي عبقري ، وأجلّ من أي زعيم ، وأعظم من أي قائد ، وأشجع من أي بطل ، وأسمى من أي مصلح ، لقد جمع له من صفات هؤلاء خيرها ، وأفضلها ، وأعدلها ، وأرحمها . ولكنه فوق هؤلاء جميعا ، إنه نبي يوحى إليه ، ورسول يبلّغ عن ربه ، وهذا ما لا يدرك ولا ينال . فجعل العبقرية ، أو الزعامة ، أو القيادة ، أو البطولة ، أو الإصلاح ، أو أو . . . عنوانا له صلّى اللّه عليه وسلّم فيه تحيّف عليه ، وهضم لحقه صلّى اللّه عليه وعلى اله وسلم . والذين كتبوا في حياة النبي وسيرته من غير المسلمين لا يؤمنون به على أنه نبي ورسول ، فمن ثمّ كتبوا عنه على أنه عظيم ، أو بطل ، أو مصلح ، أو زعيم أو نحو ذلك ، وإن كان بعضهم كتب عنه تحت عنوان « حياة محمد » ولا يجوز لنا معاشر المسلمين المؤمنين ، ولا سيما أهل العلم ، والدين ، أن نجاريهم فيما عنونوا

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عمر ، وصحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل عمر .